作者:吕建锋
الْبَطَلُ الْكَبِيرُ
"أَيْنَ الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ؟"
تَمَشَّى شَابٌّ عَلَى الطَّرِيقِ الرَّسْمِيِّ وَهُوَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَتَمَتْمِرُ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ يَبْدُو مِنْ مَلَابِسِهِ صَيَّادًا، يَرْتَدِي سُتْرَةً مِنَ الْفَرْوِ فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ قَوْسًا طَوِيلًا، وَجَعْبَةً مَمْلُوءَةً بِالسِّهَامِ، وَيَحْمِلُ بِيَدِهِ رُمْحًا حَدِيدِيًّا، وَحَقِيبَةً قُمَاشِيَّةً مُعَلَّقَةً عَلَى كَتِفِهِ بِشَكْلٍ مَائِلٍ.
"لَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، لَمْ أُصَادِفْ بَطَلًا وَلَا حَتَّى لِصًّا وَاحِدًا، لَكِنِّي رَأَيْتُ بَعْضَ النَّشَّالِينَ، فَهَلْ تَكُونُ الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ مُجَرَّدَ أُسْطُورَةٍ؟" قَالَ الشَّابُّ وَهُوَ يَسْأَلُ حَوْلَهُ بِدُونِ هَدَفٍ وَهُوَ يَمْشِي، وَكَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ.
"هَلْ هَذِهِ أَوَّلُ رِحْلَةٍ لَكَ يَا فَتَى؟" لَاحَظَ رَجُلٌ نَحِيفٌ طَوِيلٌ الشَّابَّ مِنَ الْجَانِبِ.
أَوْمَأَ الشَّابُّ بِرَأْسِهِ.
سَأَلَ الرَّجُلُ الْوَسِيطُ: "تَقْصِدُ اقْتِحَامَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ؟"
أَوْمَأَ الشَّابُّ بِرَأْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَعَلَى وَجْهِهِ الَّذِي أَصْبَحَ مُغْبَرًّا مِنْ غُبَارِ الطَّرِيقِ ظَهَرَتْ بَعْضُ الْحُمْرَةِ.
بَدَأَ الِاثْنَانِ يَتَحَدَّثَانِ.
اتَّضَحَ أَنَّ الشَّابَّ اسْمُهُ لِي يِي تِيَان، وَالِدُهُ صَيَّادٌ، وَكَذَلِكَ أَجْدَادُهُ مِنْ قَبْلُ لِعِدَّةِ أَجْيَالٍ. تَعَلَّمَ تِيَان مُنْذُ صِغَرِهِ الْفُنُونَ الْقِتَالِيَّةَ مِنْ وَالِدِهِ، الرَّمْيُ بِالسِّهَامِ وَالرَّقْصُ بِالرُّمْحِ، وَكَانَ مُوهُوبًا بِشَكْلٍ فَائِقٍ، فَبَدَأَ الْمُشَارَكَةَ فِي الصَّيْدِ وَهُوَ فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمْرِهِ، وَكَانَتْ حِصَّتُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ تُحْسَبُ كَحِصَّةِ رَجُلٍ بَالِغٍ. لَيْسَ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَرَوْنَهُ صَغِيرًا، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ كَفَاءَةً مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ. فِي أَوَّلِ مُشَارَكَةٍ لَهُ فِي الصَّيْدِ، قَتَلَ نَمِرًا ضَخْمًا. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، كَانَ الْجَمِيعُ يَجْلِسُونَ مَعًا لِلْأَكْلِ، وَكَانَ الْكِبَارُ يُحِبُّونَ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَبَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ تِيَان طَعَامَهُ، حَمَلَ رُمْحَهُ الْحَدِيدِيَّ الصَّغِيرَ وَذَهَبَ يَبْحَثُ عَنْ فَوَاكِهَ بَرِّيَّةٍ فِي الْقُرْبِ، وَتَسَلَّقَ شَجَرَةً لِيَقْطِفَ الثِّمَارَ، وَإِذَا بِزَئِيرِ وَحْشٍ مُرْعِبٍ "آو" يَدْوِي، وَإِذَا بِنَمِرٍ ضَخْمٍ ذِي عَيْنَيْنِ مُحَدِّقَتَيْنِ وَجَبْهَةٍ بَيْضَاءَ يَنْقَضُّ إِلَى أَسْفَلِ الشَّجَرَةِ. لَمْ يَخَفْ تِيَان، فَقَفَزَ مِنْ عَلَى الْغُصْنِ إِلَى الْأَرْضِ، وَرَفَعَ رُمْحَهُ الْحَدِيدِيَّ وَطَعَنَ النَّمِرَ، فَشَعَرَ النَّمِرُ بِالْأَلَمِ وَزَأَرَ زَئِيرًا عَظِيمًا هَزَّ الْجِبَالَ وَالشَّجَرَ، ثُمَّ انْقَضَّ عَلَى تِيَان بِشَرَاسَةٍ. لَمْ يَرْتَبِكْ تِيَان، بَلْ خَطَا خُطْوَةً جَانِبِيَّةً وَاسْتَدَارَ لِيَتَفَادَى هَجْمَةَ النَّمِرِ، فَاخْتَلَّ تَوَازُنُ النَّمِرِ وَاسْتَدَارَ بِعُنْفٍ، فَطَعَنَهُ تِيَان بِرُمْحِهِ مُجَدَّدًا فَأَصَابَهُ، فَزَأَرَ النَّمِرُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وَانْدَفَعَ نَحْوَ تِيَان بِعُنْفٍ، وَهَكَذَا تَبَادَلَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ جَوْلَاتٍ. سَمِعَ الصَّيَّادُونَ الضَّجِيجَ وَأَقْبَلُوا مُسْرِعِينَ لِلْمُسَاعَدَةِ، لَكِنَّ وَالِدَ تِيَان أَشَارَ بِيَدِهِ لَهُمْ أَنْ لَا يَسْتَعْجِلُوا وَيَتْرُكُوا تِيَان يَتَعَامَلُ مَعَهُ وَحْدَهُ. بَعْدَ قَلِيلٍ، نَصَحَهُ وَالِدُهُ بِطَعْنِ عَيْنَيِ النَّمِرِ. وَبِهَذِهِ الْإِشَارَةِ، لَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى أَصَابَ تِيَان عَيْنَيِ النَّمِرِ كِلْتَيْهِمَا، فَأَصْبَحَ النَّمِرُ الْأَعْمَى يَنْدَفِعُ بِيَأْسٍ نَحْوَ تِيَان، وَبِالصُّدْفَةِ، اخْتَفَى تِيَان إِلَى الْجَانِبِ، فَاصْطَدَمَ النَّمِرُ بِشَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، فَسُمِعَ دَوِيٌّ هَائِلٌ، وَقَتَلَ النَّمِرُ نَفْسَهُ. مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، اشْتَهَرَ الْبَطَلُ الصَّغِيرُ قَاتِلُ النُّمُورِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
يَبْلُغُ تِيَان مِنَ الْعُمْرِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفُنُونُهُ الْقِتَالِيَّةُ لَا يُضَاهِيهِ أَحَدٌ فِي نِطَاقِ مِائَةِ مِيلٍ. يَسْتَطِيعُ تَسَلُّقَ الْأَشْجَارِ لِمُلَاحَقَةِ الْقُرُودِ، وَيَمْشِي فِي الْغَابَةِ دُونَ أَنْ تَلْمَسَ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ، يَتَسَلَّقُ وَيَقْفِزُ كَالْقِرْدِ؛ الصَّيَّادُ الْمَاهِرُ يَسْتَطِيعُ إِصَابَةَ الْهَدَفِ مِنْ مِائَةِ خُطْوَةٍ، أَمَّا تِيَان فَيَسْتَطِيعُ إِصَابَةَ عَيْنِ عُصْفُورٍ مِنْ عَلَى بُعْدِ مِيلٍ، وَالْأَكْثَرُ إِثَارَةً لِلْإِعْجَابِ أَنَّهُ يَأْخُذُ حِزْمَةً مِنَ السِّهَامِ وَيُرْسِلُهَا عَلَى التَّوَالِي، فَتُصِيبُ كُلَّهَا الْهَدَفَ. فِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ، أَظْهَرَ مَوْهِبَتَهُ بِإِسْقَاطِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ عَصَافِيرَ كَانَتْ عَلَى شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَتِ السِّهَامُ تَنْطَلِقُ بِسُرْعَةٍ مُتَتَالِيَةٍ حَتَّى لَمْ تَتَمَكَّنِ الْعَصَافِيرُ مِنَ الطَّيَرَانِ، وَكُلُّ سَهْمٍ كَانَ يُصِيبُ الْعَيْنَ؛ أَمَّا رُمْحُهُ الْحَدِيدِيُّ الْكَبِيرُ الَّذِي يَزِنُ عِدَّةَ عَشَرَاتٍ مِنَ الْجِّنِّيَّاتِ، فَعِنْدَمَا يُدِيرُهُ، لَا يَكَادُ يُرَى شَخْصُهُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْمَاءُ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَيْهِ، وَيَسْتَطِيعُ بِخِفَّةٍ أَنْ يَرْفَعَ وَرَقَةً بِرَأْسِ الرُّمْحِ دُونَ أَنْ يَثْقُبَهَا، وَبِقُوَّةٍ أَنْ يَخْرِقَ شَجَرَةً يَلْتَفُّ حَوْلَهَا رَجُلَانِ.
مُنْذُ صِغَرِهِ، كَانَ تِيَان يَسْمَعُ عَنْ أَسَاطِيرِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، عَنِ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ، وَالْفَتَيَاتِ الْفَارِسَاتِ ذَوَاتِ الْقُلُوبِ الرَّحِيمَةِ، وَالْإِخْوَانِ الَّذِينَ يَبْذُلُونَ أَرْوَاحَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ بَعْضِهِمْ، وَالْأَبْطَالِ الْعِظَامِ الَّذِينَ يُضَحُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ أَجْلِ الْعَدَالَةِ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ... فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَسْمَعُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ، يَزْدَادُ شَوْقًا وَحَنِينًا. بَدَأَ تِيَان يَدَّخِرُ الْمَالَ وَهُوَ فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، وَفِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ جَمَعَ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ لِيَانَاتٍ مِنَ الْفِضَّةِ. وَإِذْ رَأَى أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ، وَهُوَ لَا يُتْقِنُ الْكِتَابَةَ، لَمْ يَكْتُبْ رِسَالَةً، بَلِ اسْتَدْعَى صَدِيقًا شَابًّا وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُبَلِّغَ وَالِدَيْهِ بِأَنَّهُ ذَاهِبٌ لِاقْتِحَامِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَأَنْ يَنْصَحَهُمَا بِعَدَمِ الْقَلَقِ، وَأَنَّهُ سَيَعُودُ بَعْدَ بِضْعِ سَنَوَاتٍ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ. وَعِنْدَمَا عَلِمَ الْوَالِدَانِ بِالْأَمْرِ، كَانَ تِيَان قَدِ ابْتَعَدَ بِمِائَاتِ الْمَيْلِ.
فِي الْأَيَّامِ الْأُولَى مِنْ خُرُوجِهِ، لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى التَّوَقُّفِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَالِدَاهُ، فَكَانَ يَمْشِي بِخُطُوَاتٍ وَاسِعَةٍ دُونَ تَوَقُّفٍ، وَكَانَ يَتَجَنَّبُ الطُّرُقَ الرَّسْمِيَّةَ وَيَسْلُكُ الطُّرُقَ الْجَبَلِيَّةَ وَالْقُرَوِيَّةَ. وَبَعْدَ أَنْ قَطَعَ مِائَاتِ الْمَيْلِ، اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ، وَفَكَّرَ أَنَّ مَعَهُ فِضَّةً، وَهُوَ كَرِيمٌ بِطَبْعِهِ، فَكَانَ يَتَعَرَّفُ عَلَى الْأَصْدِقَاءِ فِي الْحَانَاتِ وَمَقَاهِي الشَّايِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ أَيَّ شَخْصٍ مِنْ أَهْلِ الْوُوشُو، بَلْ رَأَى بَعْضَ النَّشَّالِينَ وَاللُّصُوصِ الصِّغَارِ. كَانَ يَسْأَلُ الْجَمِيعَ عَنْ مَكَانِ الْأَبْطَالِ وَالْفُرْسَانِ، وَكُلَّمَا وَجَدَ خَيْطًا، كَانَ يَذْهَبُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ، لِيَكْتَشِفَ أَنَّ مُعْظَمَهُمْ مِنَ الْبَائِعِينَ وَالْحَمَّالِينَ أَوْ حَتَّى الْمُحْتَالِينَ وَالنَّصَّابِينَ، وَأَقْوَاهُمْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ سِوَى بَعْضِ الْحَرَكَاتِ الْبَسِيطَةِ، لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ.
الرَّجُلُ الْوَسِيطُ اسْمُهُ وَانْغ لِي شِي، وَهُوَ رَئِيسُ حُرَّاسِ قَافِلَةٍ، بَدَأَ جَدُّهُ حِرْفَةَ تَرْحَالِ الْقَوَافِلِ، فَوَرِثَ وَانْغ الْمِهْنَةَ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ. قَادَ الْقَوَافِلَ لِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وَلَحُسْنِ الْحَظِّ أَنَّ لَدَيْهِ أَصْدِقَاءَ كَثِيرِينَ، فَلَمْ تَحْدُثْ لَهُ أَيُّ حَوَادِثَ. هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ ذَاهِبًا لِحُضُورِ حَفْلِ تَقَاعُدِ الْبَطَلِ الْكَبِيرِ هْوَانْغ شِين شْيُونْغ، الَّذِي كَانَ سَيَغْسِلُ يَدَيْهِ فِي الطَّسْتِ الذَّهَبِيِّ إِيذَانًا بِاعْتِزَالِهِ عَالَمَ الْوُوشُو. كَانَ الْبَطَلُ هْوَانْغ ذَا فُنُونٍ قِتَالِيَّةٍ فَائِقَةٍ، جَالَ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ لِعِقَابِ الظَّالِمِينَ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِينَ، فَلَمْ يُهْزَمْ قَطُّ، وَكَانَ كَرِيمًا كَمِثْعَبٍ، لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ مَدِّ يَدِ الْعَوْنِ لِأَهْلِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَلَهُ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ مُتَبَايِنِينَ، كُلُّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُنُونِ الْقِتَالِيَّةِ الْعَالِيَةِ. كَانَ هْوَانْغ يُعْتَبَرُ بِمَثَابَةِ شَيْخِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ بِشَكْلٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ، وَحَاوَلَ النَّاسُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُ أَنْ يَتَوَلَّى زِعَامَةَ الْعَالَمِ الْقِتَالِيِّ، لَكِنَّهُ كَانَ يَرْفُضُ دَائِمًا، فَازْدَادَ النَّاسُ إِعْجَابًا بِهِ. اشْتَهَرَ هْوَانْغ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَقَدْ تَجَاوَزَ السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَكَانَ وَانْغ، بِاعْتِبَارِهِ مِنْ جِيلٍ أَصْغَرَ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ لَا يَذْهَبَ. وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فِي حَفْلِ تَقَاعُدِ هْوَانْغ، سَيَحْضُرُ الْعَدِيدُ مِنَ الْأَبْطَالِ وَالْفُرْسَانِ، وَهَذِهِ فُرْصَةٌ لَا يُفَوِّتُهَا أَيُّ شَخْصٍ مِنْ أَهْلِ الْوُوشُو لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ. وَعِنْدَمَا قَالَ هَذَا، رَفَعَ وَانْغ حَقِيبَتَهُ الْقُمَاشِيَّةَ الَّتِي تَبْدُو كَأَنَّهَا صُنْدُوقٌ مُرَبَّعٌ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، بِمَعْنَى أَنَّ الْهَدَايَا جَاهِزَةٌ.
كَانَ تِيَان قَدْ تَجَوَّلَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ دُونَ أَنْ يُصَادِفَ أَيَّ شَخْصٍ مِنْ أَهْلِ الْوُوشُو، وَهَذِهِ الْمَرَّةَ يَسْمَعُ عَنْ بَطَلٍ بِهَذَا الْحَجْمِ، فَاهْتَاجَ فَرَحًا وَصَاحَ: "رَائِعٌ! رَائِعٌ!" وَاسْتَعْجَلَ وَانْغ لِلِانْطِلَاقِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ الْحَفْلُ.
فِي الطَّرِيقِ، تَذَكَّرَ تِيَان أَنَّهُ لَمْ يُحْضِرْ هَدِيَّةً، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى بَعْضِ الْفِضَّةِ الْمَكْسُورَةِ، وَكَانَ يَأْكُلُ الْخُبْزَ الْأَبْيَضَ الْجَافَّ فَقَطْ، وَكَانَ يَنْوِي الذَّهَابَ إِلَى الْجِبَالِ لِلصَّيْدِ لِكَسْبِ بَعْضِ الْمَالِ، فَكَيْفَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدِيَّةً؟ احْمَرَّ وَجْهُ تِيَان وَتَمْتَمَ بِصُعُوبَةٍ حَتَّى فَهِمَ وَانْغ مَا يَقْصِدُ، فَضَحِكَ وَانْغ وَقَالَ لَهُ أَلَّا يَقْلَقَ، فَالْبَطَلُ هْوَانْغ رَجُلٌ كَرِيمٌ وَطَيِّبُ الْقَلْبِ، يُحِبُّ الْأَبْطَالَ الشُّبَّانَ، وَسَيَفْرَحُ بِرُؤْيَةِ تِيَان وَلَنْ يَلُومَهُ أَبَدًا. عِنْدَئِذٍ اطْمَأَنَّ تِيَان وَمَضَى مَعَ وَانْغ بِخُطُوَاتٍ وَاسِعَةٍ.
لَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى رَأَوْا قَصْرًا كَبِيرًا، وَعَلَى بَابِهِ فَوَانِيسُ حَمْرَاءُ كَبِيرَةٌ مُعَلَّقَةٌ بِشَكْلٍ مُرْتَفِعٍ، تُضِيءُ حَتَّى فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَتَعُمُّ الْأَجْوَاءَ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ. عَلَى الْجَانِبَيْنِ، كَانَ هُنَاكَ سُورٌ مِنَ الطُّوبِ الْأَزْرَقِ يَبْلُغُ ارْتِفَاعُهُ ضِعْفَيْ طُولِ الرَّجُلِ عَلَى الْأَقَلِّ، مِمَّا يُضِيفُ لَمْسَةً مِنَ الْغُمُوضِ. وَمِنْ بَعِيدٍ، خَرَجَ رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الْعُمْرِ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَهَمَسَ وَانْغ لِتِيَان أَنَّهُ الِابْنُ الْأَكْبَرُ لِلْبَطَلِ هْوَانْغ. تَبَادَلَا الْمُجَامَلَاتِ، ثُمَّ قَالَ وَانْغ إِنَّ تِيَان جَاءَ لِيَنْحَنِيَ أَمَامَ الْبَطَلِ هْوَانْغ. رَفَعَ هْوَانْغ ذِرَاعَ تِيَان الَّذِي كَانَ يَنْحَنِي، وَقَالَ: "لَا دَاعِيَ لِهَذِهِ الْمُجَامَلَاتِ يَا فَتَى!" وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، أَكْمَلَ وَانْغ تَسْجِيلَ الْهَدِيَّةِ، فَاسْتَدَارَ تِيَان وَتَبِعَ وَانْغ إِلَى الدَّاخِلِ.
عَبَرُوا الْبَوَّابَةَ الرَّئِيسِيَّةَ، وَالْتَفُّوا حَوْلَ جِدَارٍ كَبِيرٍ، فَوَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي فِنَاءٍ مُرَبَّعٍ. الْفِنَاءُ الْمُعْتَادُ يَحْتَوِي عَلَى بَعْضِ الْغُرَفِ، لَكِنَّ هَذَا الْفِنَاءَ وَحْدَهُ كَانَ يَحْتَوِي عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ طَاوِلَةٍ ثُمَانِيَّةِ الْأَضْلَاعِ فِي الْفَضَاءِ الْخَالِي، وَكَادَتْ تَكُونُ مُمْتَلِئَةً بِالنَّاسِ. وَبَدَتِ الْغُرَفُ الشَّرْقِيَّةُ وَالْغَرْبِيَّةُ وَكَأَنَّهَا عِدَّةُ عَشَرَاتٍ مِنَ الْغُرَفِ، أَمَّا الْبَيْتُ الرَّئِيسِيُّ فَكَانَ فَخْمًا وَمُهَيْبًا، وَمِنْ خِلَالِ الْبَوَّابَاتِ الْحَجَرِيَّةِ عَلَى الْجَانِبَيْنِ، كَانَ يَمْتَدُّ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
تَبِعَ تِيَان وَانْغ إِلَى الْبَيْتِ الرَّئِيسِيِّ، فَوَجَدَا قَاعَةً كَبِيرَةً مُمْتَلِئَةً أَيْضًا بِطَاوِلَاتٍ ثُمَانِيَّةِ الْأَضْلَاعِ، وَكَانَ عَدَدُهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ طَاوِلَاتٍ، وَكَانَتِ الْقَاعَةُ تَعُمُّهَا الضَّجَّةُ وَالْحَرَكَةُ. فِي مُنْتَصَفِ الْقَاعَةِ، كَانَتْ حَلْقَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَزَاحَمَ تِيَان وَانْغ حَتَّى وَصَلَا إِلَى الدَّاخِلِ. رَأَوْا أَمَامَ الْمِحْرَابِ مَائِدَةً خَشَبِيَّةً حَمْرَاءَ مَمْلُوءَةً بِالْفَوَاكِهِ النَّادِرَةِ وَالثِّمَارِ الْغَرِيبَةِ، وَبِجَانِبِهَا كُرْسِيٌّ كَبِيرٌ، يَجْلِسُ عَلَيْهِ شَيْخٌ وَجْهُهُ مُتَوَرِّدٌ، شَعْرُهُ أَبْيَضُ وَلِحْيَتُهُ طَوِيلَةٌ، يَرْتَدِي ثِيَابًا بَيْضَاءَ، وَيَبْدُو عَلَيْهِ هَيْبَةُ الْقِدِّيسِينَ. وَخَلْفَهُ يَقِفُ سِتَّةُ شُيُوخٍ فِي سِنٍّ مُمَاثِلَةٍ، كُلُّهُمْ بِهَيْبَةٍ وَوَقَارٍ. خَمَّنَ تِيَان أَنَّ الشَّيْخَ الْجَالِسَ هُوَ الْبَطَلُ هْوَانْغ، وَكَانَ تَخْمِينُهُ صَحِيحًا، فَقَدَّمَهُ وَانْغ لَهُ. أَمَّا السِّتَّةُ الْوَاقِفُونَ خَلْفَهُ فَهُمْ إِخْوَةُ هْوَانْغ الْمُتَبَايِنُونَ. وَفِي الطَّرِيقِ، كَانَ وَانْغ قَدْ عَرَّفَهُ بِهِمْ، وَقَالَ إِنَّهُمْ جَمِيعًا أَبْطَالٌ وَفُرْسَانٌ، لِكُلٍّ مِنْهُمْ إِنْجَازَاتُهُ، وَتَلَامِيذُهُمْ مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ. أَمَّا هْوَانْغ فَلَا يُضَاهَى، فَلَدَيْهِ مِائَاتُ التَّلَامِيذِ وَآلَافُ أَحْفَادِ التَّلَامِيذِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُعَلِّمُ بِنَفْسِهِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، بَلْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ أَبْنَاؤُهُ وَكِبَارُ تَلَامِيذِهِ، وَهُمْ جَمِيعًا مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الْمُرْمُوقَةِ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَعِنْدَمَا يَزُورُونَ أَيَّ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ، يَسْتَقْبِلُهُمْ رَئِيسُ الطَّائِفَةِ بِنَفْسِهِ، أَمَّا رُؤَسَاءُ الطَّوَائِفِ الصَّغِيرَةِ وَأَهْلُ الْوُوشُو فَيَتَعَامَلُونَ مَعَ تَلَامِيذِهِمْ.
عَلَى بُعْدِ أَكْثَرَ مِنْ مِتْرٍ مِنَ الْبَطَلِ هْوَانْغ، كَانَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الشَّبَابِ رَاكِعَةً، وَعَدَدُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ. رَفَعَ هْوَانْغ يَدَهُ الْيُمْنَى لِيَمْسَحَ لِحْيَتَهُ، وَرَفَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى يُشِيرُ لَهُمْ بِالْقِيَامِ، وَقَالَ: "قُومُوا مِنْ فَضْلِكُمْ" دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ مِنْ مَكَانِهِ. أَكْمَلَ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ ثَلَاثَةَ انْحِنَاءَاتٍ بِاحْتِرَامٍ ثُمَّ وَقَفُوا. وَكَانَ رَجُلٌ نَشِيطٌ يَقِفُ بِالْقُرْبِ، يَحْمِلُ صِينِيَّةً خَشَبِيَّةً مَمْلُوءَةً بِالْمَظَارِيفِ الْحَمْرَاءِ، فَوَزَّعَهَا عَلَيْهِمْ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، ثُمَّ انْحَنَى الشَّبَابُ مَرَّةً أُخْرَى شُكْرًا وَانْصَرَفُوا، وَجَاءَتْ مَجْمُوعَةٌ أُخْرَى لِلرُّكُوعِ. وَهَكَذَا، مَرَّتْ عِدَّةُ عَشَرَاتٍ مِنَ الْمَجْمُوعَاتِ حَتَّى جَاءَ دَوْرُ تِيَان. أَوْقَفَهُ الْمُسْتَقْبِلُ فِي أَقْصَى الْيَسَارِ، فَرَكَعَ وَأَخَذَ الْمُظْرُوفَ الْأَحْمَرَ، ثُمَّ قَادَهُ وَانْغ إِلَى الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ وَبِالْكَادِ وَجَدَا مَقْعَدَيْنِ فَارِغَيْنِ، وَكَانَتِ الْأَطْبَاقُ قَدْ بَدَأَتْ بِالظُّهُورِ. فَتَحَ تِيَان الْمُظْرُوفَ، فَوَجَدَ فِيهِ وَرَقَةً فَقَطْ. تِيَان لَا يَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ، فَاقْتَرَبَ وَانْغ مِنْهُ وَنَظَرَ، ثُمَّ قَالَ بِدَهْشَةٍ إِنَّهَا عِشْرُونَ لِيَانًا مِنَ الْفِضَّةِ. عِنْدَئِذٍ فَهِمَ تِيَان أَنَّهَا وَرَقَةُ صَرْفٍ بِعِشْرِينَ لِيَانًا مِنَ الْفِضَّةِ. يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ تِيَان، بِاعْتِبَارِهِ أَفْضَل
بدا هوانغ داشيا وكأنه قد كبر فجأة بأكثر من عشر سنوات، وكان جسده يرتجف قليلاً، وسأل الرجل بصوت خافت: "جيه إر، هل فعلت هذا؟" عندها فقط عرف يي تيان أن هذا الرجل هو ابن هوانغ داشيا، وكان الحاضرون يتهامسون، وبعضهم ممن يعرفونه يقدمونه للآخرين بصوت منخفض، قائلين إن هذا الرجل هو أصغر أبناء هوانغ داشيا، وأن هوانغ داشيا يحبه أكثر من أي ابن آخر، ويُعرف في عالم الفنون القتالية بلقب "الوجه اليشمي"، ومهاراته القتالية عالية جداً، وهو بطل مشهور في الأوساط، والجميع يعتقدون أن خليفة هوانغ داشيا لن يكون سوى هذا الابن، ولكن لم يتوقع أحد أن يفعل مثل هذا الأمر.
كان الوجه اليشمي محمراً بالكامل ولم يجرؤ على النطق، مما زاد غضب هوانغ داشيا، فرفع يده ليضربه، لكن شيخاً يرتدي ثياباً رمادية بسيطة أمسكه، فالتفت هوانغ داشيا ليجد أنه أخوه بالدم الثاني، دونغ فانغ تشي، الذي كان عادةً ذراعه اليمنى، ويُعرف في الأوساط بلقب "دونغ فانغ جو قه"، وكان لكل من الإخوة بالدم مهاراته الخاصة، فمهارات جو قه القتالية قوية بطبيعة الحال، لكن الأقوى كانت حكمته، وكان جو قه دائماً مستشار هوانغ داشيا العسكري. ويمكن القول إن هوانغ داشيا وصل إلى ما هو عليه اليوم بفضل هذا المستشار الذي قدم إسهامات كبيرة.
عندما رأى مستشاره، زأر هوانغ داشيا بوجه مكفهر: "أيها الأخ الثاني، هل تحمي هذا الوحش؟"
لم يغضب دونغ فانغ، بل نصحه بهدوء: "أيها الأخ الأكبر، لا داعي للغضب، أرى في هذا الأمر شيئاً مريباً، دعني أسأل عنه."
تنحى هوانغ داشيا بغضب، والتفت جو قه إلى شيخ يرتدي ثياباً بيضاء وقال: "أرجو من الأخ الخامس أن يسأل هذا الأخ من مكتب التحقيق. بما أن الأمر يتعلق بأسرار الحكومة، فمن الأفضل أن نذهب إلى الغرفة الداخلية لنسأل بدقة."
أجاب الشيخ ذو الثياب البيضاء بصوت عالٍ: "حسناً، أيها الأخ الثاني." ثم تقدم نحو المحقق وأشار له بيده، وأخذه إلى الغرفة الداخلية للاستفسار عن القضية.
كان يي تيان في حيرة تامة في تلك اللحظة، فلا يمكن أن يكون ابن هوانغ داشيا الشهير قد فعل مثل هذا الأمر، أليس هناك سوء فهم؟ في تلك الأثناء، كان البعض يتهامسون: "الأخ الثاني يُلقب بدونغ فانغ جو قه، والأخ الخامس يُلقب بشانغ قوان جين شي، وكلاهما من أذكى العقول، وخروجهما معاً يعني أن الأمر كبير. يبدو أن هذه الفتاة الصغيرة لن تحصل على حقها، إنه بالفعل هوانغ داشيا." وعند قول "داشيا" كان الصوت يعلو بشكل ملحوظ، وكأن فيه استياءً خفيفاً. وأيدهم البعض الآخر قائلين: "نعم، داشيا." ثم أوقفهم أحدهم ووبخهم: "ألا تريدون الحياة؟ ألا ترون على أرض من نحن؟ تذكروا، الكارثة تخرج من الفم." فخفت أصواتهم وأجابوا بهدوء: "الأخ الأكبر محق." ولم يعودوا يقولون شيئاً، مما خيب آمال يي تيان الذي كان يصغي بأذنيه.
تقدم دونغ فانغ نحو المعلم وانحنى محيياً: "تحية لهذا المعلم!"
بادله المعلم التحية على عجل: "تحية لك أيها السيد!"
"أنا دونغ فانغ تشي، أجرؤ على سؤال المعلم عن اسمه الكريم؟"
"لا لا، أنا العجوز لي هينغ شينغ."
رفع دونغ فانغ صوته فجأة: "أيها الحضور، هذا السيد لي هو معلم، دعني أختبره، خوفاً من أن يكون هناك من يخدعنا."
أجاب الجميع بصوت عالٍ: "حسناً!"
سأل جو قه بصوت عالٍ: "أجرؤ على سؤال المعلم، لماذا يُقال إن من يضع السكين يصبح بوذا فوراً؟"
عند سماع ذلك، قال الجميع: "نعم، لماذا إذا وضع الشرير سكينه يصبح بوذا فوراً؟ كثيراً ما نسمع هذه العبارة ولا نعرف معناها، فلنستمع إلى ما يقوله هذا المعلم." لم يكن يي تيان قد قرأ كثيراً، ولم يسمع حتى بهذه العبارة، فرفع أذنيه أكثر.
تأخر السيد لي قليلاً ثم أجاب: "إني لأشعر بالخجل، لا أستطيع التوضيح."
أظهر دونغ فانغ بعض الأسف وقال بصوت عالٍ: "هذا المعلم لا يعرف حتى هذا المبدأ الأساسي، مما يجعلني أشك فيه حقاً." ثم لم يلتفت إلى المعلم، بل التفت إلى حارس الشحن وسأله: "سمعت أنك قريب لهذه الفتاة؟ هل رأيت بعينيك ابن أخي الصغير يحرق المنزل؟"
كان حارس الشحن يرتجف من الغضب، لكنه اضطر للإجابة: "أنا قريبها، ولم أكن حاضراً عند الحريق. لكن..."
لم يكمله، فقد قاطعه دونغ فانغ قائلاً بصوت عالٍ: "أيها الحضور، أشك في أن هذا المعلم مزيف، فهو لا يستطيع الإجابة حتى على مثل هذا السؤال البسيط، وهذا الحارس قريب للفتاة ولم يرَ من أشعل النار، وسيتضح الأمر عندما نسأل المحقق."
شعر يي تيان أن دونغ فانغ بارع جداً، فقد حل المشكلة بسرعة، ويبدو أن الوجه اليشمي لم يفعلها، فزال قلقه الخفي. وفي تلك اللحظة، كان هناك من يهمس: "أيها الأخ الأكبر، هذا دونغ فانغ جو قه بارع جداً!" فرد أحدهم: "أيها الأخ الثاني، يبدو أن المعلم لا يؤمن بالبوذية ولا يدرس تعاليمها، فمن الطبيعي ألا يعرفها. دونغ فانغ جو قه لم يسأل عن الفلسفات أو التاريخ، بل سأل عن التعاليم البوذية، إنه بارع حقاً." كان الصوت منخفضاً جداً، ولولا أنه كان قريباً لما استطاع يي تيان سماعه. وبعد قليل، قال الرجل نفسه: "أيها الأخ الثاني، دونغ فانغ جو قه يعلم أن الحارس قريب للفتاة، فقيده بالتهمة منذ البداية. ورأى أن الحارس ليس عليه جروح، فلم يكن في مكان الحادث، ولو كان هناك لكان قد حاول منع الأمر، فكيف يمكنه أن يكون نداً للوجه اليشمي؟ دونغ فانغ الثعلب العجوز يستحق لقبه. يبدو أن المحقق سيوضح الحقيقة قريباً، وبمجرد تدخل جو قه، حتى لو فعل الوجه اليشمي شيئاً فسيُعتبر لم يفعله. بارع جداً." عند سماع هذا، وجد يي تيان أن تحليل الرجل منطقي جداً، فبدأ يشعر بالقلق على هوانغ داشيا مرة أخرى.
وبمجرد أن أنهى الرجل كلامه، خرج شانغ قوان جين شي مع المحقق وتقدما نحو دونغ فانغ جو قه. صاح شانغ قوان جين شي بصوت عالٍ: "أيها الحضور، لدى المحقق كلمة ليقولها."
سعل المحقق مرتين وقال: "لقد ناقشت أنا والسيد شانغ قوان القضية، ووجدنا أنه من المستحيل أن يكون السيد هوانغ هو الفاعل. وأنا أيضاً جاهل، لم أفكر جيداً، وجئت إلى هنا. ولحسن الحظ لم يحدث كارثة كبيرة، إني أشعر بالخجل." ثم أخذ ينحني في كل الاتجاهات.
شعر يي تيان بالارتياح فجأة، واعتقد أنه فعل الصواب بالمجيء إلى هنا، فقد رأى بطلاً حقيقياً، له أصدقاء في كل مكان، وحتى حفل تقاعده عن الفنون القتالية حضره آلاف الأشخاص، وهذا هو الرجل الحقيقي.
بينما كان المحقق لا يزال ينحني، رأى شخصاً بظل أسود خافت يندفع بسرعة نحوه، وبمجرد وصوله، اندفع ظل أبيض آخر بسرعة أيضاً، وسمع صوت "طاق"، فانفصلا ووقفا. كان الظل الأبيض هو هوانغ داشيا، أما الظل الأسود فلم يره يي تيان من قبل، كان قصيراً ونحيفاً ويبدو مخادعاً بعض الشيء، ووقفته لم تكن مستقيمة، وابتسامته كانت ماكرة، ولم يستطع تخيل كيف أن هذا العجوز المخادع يتمتع بخفة حركة مذهلة، وقد تبادل ضربة مع هوانغ داشيا ولم يبدُ متضرراً.
صاح هوانغ داشيا بصوت عالٍ: "أجرؤ على سؤال السيد جي، ماذا تفعل؟"
قال الرجل الذي كان بجانب يي تيان مرة أخرى: "اللص الأسطوري جي تشانغ فنغ! لم أكن أتوقع أن حفل تقاعد هوانغ داشيا سيجذب أعظم لص في العالم. أيها الأخ الثاني، سمعت أن جي تشانغ فنغ قد تجاوز المئة عام تقريباً، ولم يظهر في الأوساط منذ عقود، لكنه يظهر هنا ويبدو وكأنه في الخمسين أو الستين فقط."
قال اللص الأسطوري: "لا شيء! فقط حكة يدي عند رؤية المال." ثم صفق على كومة من الأوراق في يده وتابع: "رأيت أن المحقق يحمل على الأقل مئات الآلاف من التيلرات الفضية، وأنا لص، فأشعر بحكة يدي عند رؤية المال. حسبتها، فوجدتها أربعمائة ألف تيلر بالضبط. هاهاهاها!" ضحك اللص الأسطوري عدة مرات ثم قال: "المحققون في هذه الأيام أغنياء جداً. لكنني لم أستطع معرفة أين كان يخفي المال عندما جاء. هي هي هي." ضحك ببرود، ثم صمت ودوّر عينيه، ناظراً إلى المحقق وهوانغ داشيا.
قال الرجل بجانب يي تيان مرة أخرى: "إنه أعظم لص في العالم، فلا يمكن أن يخطئ. هذا المحقق لم يكن يحمل هذا القدر من المال قبل مجيئه، وفي الغالب أن شانغ قوان جين شي هو من دبر الأمر. هذا اللص الأسطوري سريع بشكل مخيف، فقد قطع تلك المسافة البعيدة، وتبادل ضربة مع هوانغ داشيا الذي كان قريباً، وسرق الأوراق المالية من المحقق، إنه مذهل." كان صوته مليئاً بالاحترام، مختلفاً تماماً عن لهجته السابقة تجاه دونغ فانغ جو قه. وأعرب أخوه الثاني عن إعجابه أيضاً.
قبل أن يتكلم هوانغ داشيا، جاء دونغ فانغ جو قه وأمسك بذراع هوانغ داشيا قائلاً: "أيها الأخ الأكبر، حان الوقت الميمون، يجب أن نبدأ حفل غسل اليدين. الشهود الثلاثة لم يثبتوا أن السيد الصغير فعل هذا، وقد سألت السيدة الكبرى، فقالت إن السيد الصغير كان يرافقها إلى المعبد لتقديم البخور في ذلك الوقت. هذا الأمر ستتحقق منه الحكومة بنفسها، وإذا لم يكن من أهلنا من فعلها، فلا شأن لنا بها، المهم هو الحفل الكبير!" تنهد هوانغ داشيا وقال: "صحيح. هيا." ثم تبع دونغ فانغ جو قه نحو الغرفة الداخلية، وكانت خطواته ثابتة، لكن وجهه بدا غير طبيعي.
في تلك اللحظة، صرخت المرأة التي تدعى وانغ باكية: "يا إلهي، من سينصفني! يا إلهي..." حاول المعلم أن يرفعها، لكنها كانت تبكي على الأرض ولم تستطع النهوض. كان حارس الشحن قد احمر وجهه من الغضب، وظل واقفاً في الخلف دون حركة. ثم فجأة مشى بسرعة نحو هوانغ داشيا وصاح بصوت عالٍ: "هوانغ داشيا، الجميع ينادونك بداشيا احتراماً، فهل تفعل ما يليق بداشيا؟" اضطر هوانغ داشيا للتوقف والالتفات نحو الحارس، فتابع الحارس صارخاً: "هناك مئات الأشخاص في القرية يمكنهم الشهادة، انتظروا، سأذهب لإحضارهم الآن. وعندها سيتضح كل شيء." ثم استدار ليغادر.
كان دونغ فانغ جو قه سريعاً جداً، فاندفع أمام الحارس وصاح: "قف! أتظن أن هذا مكان للعبث؟ أتيت إلى هنا لإثارة المشاكل، ألم تكفيك؟ هل تظن أنك قوي جداً وتريد المزيد؟ تعال، دع دونغ فانغ يختبر مهاراتك."
وبمجرد أن أنهى كلامه، وجه لكمة طويلة نحو الحارس، فدفعه الحارس بكلتا يديه وصاح: "ابتعد، ابتعد، سأذهب لإحضار الشهود." وعندما دفعت يداه دونغ فانغ، سقط دونغ فانغ إلى الخلف، وسمع صوت ارتطام جسده بالأرض بقوة، وارتفع الغبار. صاح الجميع "آه" وهم لا يصدقون أعينهم. حتى يي تيان كان مذهولاً، فهذا الحارس قوي جداً، دفعة واحدة أطاحت بدونغ فانغ جو قه الشهير. وصوت الرجل بجانبه عاد: "جو قه العجوز أوقع نفسه بنفسه، فالحارس لم يستطع حتى تحريكه، والحارس سيواجه مصيراً سيئاً."
قفز دونغ فانغ في الهواء بسرعة، وكانت حركته أنيقة جداً، لكن تعبيره كان غاضباً جداً، ويبدو أن سقوطه على يد الحارس كان إهانة كبيرة له. صاح دونغ فانغ: "أردت فقط أن أمسك بك بلطف، لكنك أردت قتلي، ولولا أن جسدي قوي لكنت مت الآن. سأقاتلك حتى الموت!" وبمجرد أن أنهى كلامه، اندفع ظله الرمادي نحو الحارس، ووجه ضربتين بكفيه، أصابتا صدر الحارس بقوة، فترنح الحارس خطوات إلى الخلف، ووضع يده اليمنى على صدره، وكأنه يستخدم كل قوته للوقوف، ثم سعل وأخرج عدة دفعات كبيرة من الدم، ثم سال الدم من أذنيه وعينيه، وفي غضون ثوانٍ، سقط على الأرض ومات.
حتى يي تيان أدرك أن دونغ فانغ جو قه قتل الحارس بحجة. وعندما رأى دونغ فانغ الحارس يسقط، مشى بسرعة وأمسك بيد الحارس اليسرى ليفحص نبضه لبضع ثوانٍ، ثم وقف وقال بصوت عالٍ: "أيها الحضور، هذا الحارس حاول قتلي للتو، فأنا استعجلت وضربته بقوة أكبر مما ينبغي، فقتلته، والجميع رأى ذلك، أليس كذلك؟" وكانت هذه الجملة الأخيرة موجهة إلى المحقق، فرد المحقق: "الحارس اعتدى أولاً، والسيد دونغ فانغ دافع عن نفسه، وعندما أعود إلى المكتب سأخبر السيد الرئيس بالحقيقة."
عندما رأت المرأة التي تدعى وانغ الحارس ميتاً، زحفت باكية، وانبطحت على جسده، وأغمي عليها من البكاء.
عندها ضجّ الجمهور، فقد أدرك الجميع أن دونغ فانغ جو قه قتل عمداً، لمنع الحارس من إحضار الشهود، ويبدو أن الوجه اليشمي هو الفاعل بالفعل، حتى المحقق تم رشوته بمئات الآلاف من التيلرات من قبل شانغ قوان جين شي، لكنهم لم يعرفوا ما إذا كان هوانغ داشيا على علم بذلك. كان الجميع يعلمون أن مهاراتهم القتالية ليست كافية، فلم يجرؤوا على التقدم، لكنهم كانوا يناقشون الأمر بصوت عالٍ، ويدينون دونغ فانغ جو قه وشانغ قوان جين شي بأصوات موحدة.
كان دونغ فانغ وشانغ قوان جين شي بلا تعبير على وجوههم، بينما كان وجه هوانغ داشيا يتقلب بين الأحمر والأبيض، وجره دونغ فانغ من ذراعه نحو القاعة لإتمام حفل غسل اليدين.
في تلك اللحظة، استيقظت المرأة التي تدعى وانغ ببطء، ولم تعد تبكي أو تصرخ، بل سحبت سيف الحارس، ولمست عنقها، وانتحرت!
تفاجأ الجميع، وعندما رأوا المرأة تنتحر، ارتفعت أصوات الاستهجان أكثر. حتى يي تيان، مهما كان غبياً، أدرك ما يحدث. كان يي تيان جديداً في عالم الفنون القتالية، ولم يكن يعرف كيف يحمي نفسه، ولا يعرف مستوى مهاراته، فاندفع نحو هوانغ داشيا وهو يحمل رمحه الحديدي وصاح: "هوانغ داشيا، ألا ترى أن دونغ فانغ جو قه قتل عمداً؟ يجب أن تتدخل."
قبل أن يتكلم هوانغ داشيا، استدار شانغ قوان جين شي ودفعه، مما جعل جسده يتمايل، وقال وهو يدفعه: "هذا الشاب لا يعرف حدود نفسه، يحمل سلاحاً، هل يريد قتل أخي الأكبر هوانغ؟"
رد يي تيان بسرعة: "لا، لا! هوانغ داشيا بطل مشهور في الأوساط، أنا فقط أسأل، هل سيتدخل هوانغ داشيا في هذا القتل؟ ألا تخشى أن يؤثر ذلك على سمعة هوانغ داشيا البطولية؟"
ضحك شانغ قوان جين شي ببرود وقال: "هيه هيه، الأبطال يخرجون من الشباب، يبدو أن مهاراتك رائعة، وتحمل رمحاً حديدياً لتتحدى. لا مزيد من الكلام، لنتنافس."
أهل الفنون القتالية لا يفارقون أسلحتهم أبداً، فالمثل يقول "الرجل والسيف لا يفترقان". كان الحاضرون جميعاً من أهل الفنون القتالية، ومعظمهم يحملون أسلحتهم، إما على ظهورهم أو أمامهم. كان رمح يي تيان الطويل صعب الحمل، فكان يمسكه دائماً، وحتى عند الأكل كان يضعه بجانب قدميه.
علم يي تيان أن شانغ قوان يتعمد استفزازه، فحدق فيه بهدوء وتمتم: "هوانغ داشيا، هل ستتدخل أم لا..." صاح دونغ فانغ بصوت عالٍ لشانغ قوان: "أيها الأخ الخامس، فقط علّمه درساً، لا تقتله، دعه يعرف ما هي القواعد."
لم ينطق هوانغ داشيا بكلمة واحدة طوال الوقت، فنظر شانغ قوان إلى هوانغ داشيا، وسحب سيفه الطويل، وأشار إلى يي تيان قائلاً: "أنت من الجيل الأصغر، ابدأ برمحك أولاً."
كان يي تيان ينظر فقط إلى هوانغ داشيا وشانغ قوان، ويهز رأسه باستمرار، دون أن ينطق أو يتحرك، والرمح الحديدي ملامس للأرض.
غضب شانغ قوان جين شي بشدة وقال: "أيها الشاب، إذن أنت تحتقرني، سأعلمك درساً." وبمجرد أن أنهى كلامه، اندفع سيفه الطويل مباشرة نحو كتف يي تيان الأيسر.
"وميض يخترق الفراغ"، صاح الجميع في انسجام. كانت مهارة شانغ قوان في السيف تهز الأوساط منذ مائة عام، وعائلة شانغ قوان تعلم الرجال فقط لا النساء، ولا تقبل تلاميذ من خارج العائلة، وكانت العائلة مزدهرة في هذه السنوات، وظهر منها أبطال كثيرون. تدرب شانغ قوان جين شي على مهارة عائلة شانغ قوان منذ صغره، وفي السادسة عشرة من عمره هزم والده، وبفضل ذكائه الفطري، دمج مهارات أخرى في مهارته، مما جعلها أسرع وأكثر حدة. وتقول الشائعات إن شانغ قوان جين شي هزم يوماً ما رئيس طائفة وو دانغ، الوو وي الحقيقي، لكن الطرفين لم يؤكدا ذلك، فلا أحد يعرف الحقيقة. "وميض يخترق الفراغ" هي الضربة القاتلة الكبرى في مهارة شانغ قوان، حيث تُحقن كل قوة الجسد في طرف السيف، فيكون السيف سريعاً وثقيلاً، ولا يعلم كم من أهل الفنون القتالية أصيبوا بهذه الضربة. استخدمها شانغ قوان من البداية، ويبدو أنه كان ينوي إصابة ذراع يي تيان اليسرى.
[المقطع 3]
في يومٍ من الأيام، لم يجد بدّاً سوى أن يرمي بنفسه يميناً على الأرض مع صوت "بو"، مُثيراً غباراً كثيفاً، فضحك الجمهور بصوتٍ عالٍ، ظانّين أن "يو تيان" الذي تطاول عليهم يجب أن يكون ماهراً في فنون القتال، لكنهم لم يتوقعوا أن يتفادى بهذا الشكل المثير للشفقة. في الحقيقة، لم يتعلم "يو تيان" أي فنون قتالية قط، فما تعلمه من والده كان مجرد طرق صيدٍ شائعة، لا ترقى إلى مستوى الفنون. ولم يكن يعرف شيئاً عن تقنيات خفة الجسم، بل كانت كل مهاراته في الصيد، فكان رمي السهام بارعاً حقاً، لكنه لا يناسب القتال القريب، ولم يكن للرمح الحديدي نظامٌ أو منهج، ففي الصيد كان يعتمد على رشاقة الجسم وقوة العضلات، يطعن الوحوش بالرمح الحديدي بعنف، حتى النمور كان يخترقها. أما القتال مع البشر فكان أول مرة له، والخصم ليس وحشاً، فلم يجرؤ على الطعن، فاضطر إلى السقوط أرضاً ليتفادى هذا السيف.
"هاهاهاها"، حتى "شانغ قوان جين شي" الذي كان دائم الجدية والبرود ضحك بصوتٍ عالٍ نادراً. وأشار إليه ضاحكاً وبخه قائلاً: "ألن تنسحب الآن؟"، وفي هذا الوقت جاء "وانغ بيوتو" ليجذب "يو تيان"، وبينما كان يجذبه قال لـ"شانغ قوان جين شي": "هذا الأخ الصغير اسمه لي يي تيان، التقيت به مصادفةً في الطريق، وهو جديد على عالم الفنون القتالية، لا يعرف القواعد، أرجو المعذرة." لكن "يو تيان" خلع يد "وانغ بيوتو"، واقترب من "النائب الأصفر" مواجهاً إياه، وكأنه لن يغادر دون تفسير.
عبس "شانغ قوان جين شي" وزجر قائلاً: "أنت تبحث عن الموت!"، وبعد أن قال ذلك طعن بسيفه، فشعر "يو تيان" بأن ظلال السيوف في كل مكان، ولم يعرف كيف يتفادى، وقبل أن يفكر، أصيب في عدة مواضع بألمٍ حاد، فسال الدم فوراً من الجروح، في الرقبة والكتفين والصدر أربعة جروح سيفية.
"ثلوج تتناثر في السماء"، صاح الجمهور مرة أخرى. هذه إحدى تقنيات "شانغ قوان" الشهيرة الأخرى، خادعةٌ بين الحقيقة والوهم، سيفٌ واحدٌ كأنه ألف سيف، لا مكان للتفادي. "يو تيان" لم يكن يعرف الفنون القتالية أصلاً، فكان عاجزاً عن التفادي تماماً، ولولا أن "شانغ قوان" لم يرد قتله، لأصبح مئة "يو تيان" قد قُتلوا.
جاء "وانغ بيوتو" مرة أخرى ليجذب "يو تيان"، لكنه ما زال عنيداً يخلع يد "وانغ بيوتو"، وينظر بهدوء إلى "النائب الأصفر".
تنهد "شانغ قوان جين شي" طويلاً، ونصحه برحمةٍ وحزن: "لماذا ترمي بحياتك هنا؟ أنت لست خصمي إطلاقاً."
لم يرد "يو تيان" على كلامه، بل نادى "النائب الأصفر" بصوتٍ فيه نبرة بكاء: "ألست أنت النائب الأصفر! ألا تتدخل؟!"
زجره "شانغ قوان جين شي": "أنت تبحث عن الموت!" ورفع سيفه مشيراً إلى منتصف جبين "يو تيان".
في هذا الوقت، خرج عدة رهبانٍ وأشخاصٍ بهيئة الطاويين من القاعة الداخلية ليشاهدوا، فأفسح لهم الجمهور الطريق، فوقفوا بجانب "النائب الأصفر"، ويبدو أنهم جميعاً من مشاهير وأسلاف عالم الفنون القتالية.
تنهد "دونغ فانغ جو غي" أيضاً طويلاً: "أيها الأخ الخامس، لا تؤذِه."
نادى "وانغ بيوتو" بصوتٍ عالٍ: "إن لم تغادر الآن ستفقد حياتك!" وبعد لحظة نادى مرة أخرى: "أليس لديك رمحك الحديدي؟"
عندما سمع "يو تيان" ذلك، رفع رمحه الحديدي ببطء ووجهه نحو "شانغ قوان جين شي".
ابتسم "شانغ قوان جين شي" ببرود: "أنت تبحث عن الموت!"
ثم أطلق تقنية "ثلوج تتناثر في السماء" مرة أخرى نحو "يو تيان".
صرخ "يو تيان" صرخةً عالية، وطعن برمحه الطويل فجأة، بزخمٍ هائل، وكانت سرعته لا تقل عن "شانغ قوان جين شي"، وقوته مذهلة، مُحدثاً صوت رياحٍ عويل. فلما رأى "شانغ قوان جين شي" أنه لا يستطيع الصمود، اضطر إلى التراجع بسرعة.
"واو"، تنهد الجمهور بصوتٍ واحد، ثم انفجروا فوراً في تصفيقٍ حاد، فامتلأت الساحة بأكملها بتصفيقٍ مدوٍّ كالرعد.
حتى الراهب العجوز و"جي تشانغ فنغ" أعجبا، وقالا: "ما أجمل هذه الطعنة!"، وكان صوتاهما منخفضين، لكنهما اخترقا التصفيق ووصلا إلى آذان الجميع بوضوح.
استعاد "يو تيان" رمحه الحديدي، ونظر بهدوء إلى "النائب الأصفر". فغضب "شانغ قوان جين شي" بشدة، وارتفع جسمه فجأة، وأطلق تقنية "برق يخترق الفضاء"، فاندفع بسيفه كاملاً نحو "يو تيان".
"فن سيف شانغ قوان لا يخيب سمعته حقاً، لقد بلغ السيد شانغ قوان مرحلة اتحاد السيف بالشخص، ما يستحق التهنئة والتبجيل!" مدح الطاوي العجوز بجانب الراهب العجوز وهو يمسح لحيته.
طعن "يو تيان" مرة أخرى برمحه فجأة، بنفس الطريقة السابقة، دون تغيير في الوضعية أو القوة، فلم يجرؤ "شانغ قوان جين شي" على تجاهل حدّة الرمح، فوضع طرف سيفه على الرمح وتراجع طائراً.
ثم استخدم "شانغ قوان جين شي" كل ما أوتي من مهارات، لكن "يو تيان" ظل يستخدم نفس الطريقة، رمحه الطويل يندفع مباشرة، وبعد أكثر من مئة طعنة، لم يستطع أيٌّ منهما إيذاء الآخر.
غيّر "شانغ قوان جين شي" أسلوبه. فقد وقف ساكناً لبعض الوقت، مشيراً بسيفه نحو "يو تيان"، وبدأ وجهه يتحول إلى اللون الأزرق ببطء، ويبدو أن بخاراً أزرق خفيفاً يتصاعد من جبهته، فقال الطاوي بهدوء: "لقد بلغت تقنية السيد شانغ قوان في "قوة تشينغ يي الليلية" ذروة الإتقان. على هذا الفارس الشاب أن يكون حذراً."
"قوة تشينغ يي الليلية"، تنهد الجمهور بصوتٍ مذهول. إنها تقنية داخلية غامضة لعائلة شانغ قوان، ويُقال إن من يبلغ أعلى مستوياتها يتحول وجهه إلى اللون الأزرق، ويمكنه مضاعفة سرعته وقوته عدة مرات، ولا يُقهر. وهذا هو السبب في أن أهل الفنون القتالية سمعوا بها فقط ولم يروها، فمن رآها لم يعد بين الأحياء. لم يتوقعوا أن يروها اليوم، وأن تُستخدم ضد شابٍ في العشرينات من عمره. فبدأ الجميع يشعرون بالقلق على "يو تيان"، بل صاح أحدهم: "ارحل! لا داعي لرمي حياتك هنا، فمن يبقى على قيد الحياة، سيجد الحطب ليحرقه."
لم يتحرك "يو تيان" إطلاقاً، وظل ينظر بهدوء إلى "النائب الأصفر"، فقط رفع رمحه الحديدي ووجهه نحو "شانغ قوان جين شي". أما "النائب الأصفر" فلم ينظر إلى "يو تيان" إطلاقاً، بل كان ينظر إلى "شانغ قوان جين شي" بوجهٍ محمرٍّ متوهج.
بعد فترة طويلة، صرخ "شانغ قوان جين شي" "برق يخترق الفضاء"، فاندفع سيفه وجسمه في خطٍ واحد نحو "يو تيان"، ففي السابق كان يمكن رؤية شكله بوضوح، لكن هذه المرة لم يُرَ سوى ظلٍّ خفيفٍ يندفع نحوه. صرخ "يو تيان" أيضاً صرخةً عالية، وأمسك الرمح بكلتا يديه، وضرب به "شانغ قوان جين شي" من الأعلى إلى الأسفل، مُحدثاً صوت رياحٍ هادر.
مع صوت "بانغ"، ارتفع غبارٌ كثيف، وعندما نظر الجميع بتركيز، رأوا "شانغ قوان جين شي" ملقىً على الأرض مسطحاً تحت ضغط الرمح الحديدي. فتصفيقٌ حادٌّ متواصلٌ في الساحة لم يتوقف. لم يتكلم "شانغ قوان جين شي" كثيراً، بل أزاح الرمح الحديدي ونهض وخرج من الباب ومضى.
سعل "دونغ فانغ جو غي" عدة مرات، وقال بصوتٍ خافت: "حقاً، الأبطال يخرجون من الشباب! أيها الفارس لي، إعجابٌ واحترام!"، وكان صوته منخفضاً، لكنه اخترق التصفيق المدوي ووصل بوضوح إلى آذان الجميع. ثم التفت إلى "النائب الأصفر" وقال: "اليوم هو يوم غسل الأخ الأكبر يديه من الفنون القتالية، لا يليق به استخدام الأسلحة، لكن الفارس لي قد جاء ليتحدى، فلا بديل، فليتبارَ الأخ الأكبر مع الفارس الشاب في فن الكفوف."
"حسناً، حسناً! يرى هذا الراهب العجوز أن الفارس لي لا يعرف الفنون القتالية إطلاقاً، فهو فقط قويٌّ ورشيق، معتادٌ على الرمح الحديدي، ولا يعرف شيئاً عن التقنيات الداخلية. والنائب الأصفر يُلقب بذي الكف والسيف المتميزين، فكفه سلاحٌ بحد ذاته، والفارس لي ليس خصماً له إطلاقاً، فليتراجع بسرعة. آمين!" بعد أن قال الراهب العجوز ذلك، طوى يديه أمام صدره وانحنى لـ"يو تيان" تحيةً، فشعر "يو تيان" وكأن نسمة هواءٍ رفعته، وألقته في الهواء عدة أمتار، فاستقر واقفاً بثبات، وأصبح قريباً من الباب.
لكن "يو تيان" عاد خطوةً بخطوة، ونظر إلى "النائب الأصفر" وقال: "أرجو من النائب الأصفر أن ينصفني!"
أخيراً تكلم "النائب الأصفر": "إن شيخ معبد شاولين فو دي، إن قوته الخارقة لا تُضاهى حقاً!"
لم يتكلم "فو دي" كثيراً، فقط طوى يديه إشارةً.
التفت "النائب الأصفر" إلى "لي يي تيان": "سأتبارى مع الفارس الشاب بكفيّ فقط، ويمكن للفارس استخدام رمحه." وما زال يحافظ على هيبة النائب.
"بما أن الفارس لي يجرؤ على المجيء لتحدي البيت، فلن يستغل الأخ الأكبر، فالفارس لي ماهرٌ وجريء، ولا بد أن مهارته في فن الكفوف رائعة أيضاً، فعلى الأخ الأكبر أن يكون حذراً." قال "دونغ فانغ جو غي" بسرعة عندما رأى أن الأخ الأكبر يستخف بالخصم.
انحنى "يو تيان" لـ"النائب الأصفر" وقال: "لم آتِ لإثارة المشاكل، فقط أتمنى أن يتدخل النائب الأصفر في أمر اليوم." لم ييأس "يو تيان" بعد، وظل يناشد "النائب الأصفر".
"أيها الفارس لي، لا داعي للجدال معه، فأنت لست خصمه. أرى أن لديك موهبةً استثنائية، لكن لا أحد يوجهك، فمن الأفضل أن تتراجع الآن. مع مرور الوقت، ستكون بالتأكيد بطلاً في عالم الفنون القتالية." نصح "جي تشانغ فنغ" "يو تيان"، وكانت لهجته غير لطيفة، وكأنه لا يضع "النائب الأصفر" في اعتباره.
لم يغادر "يو تيان"، بل ألقى رمحه الحديدي جانباً، وطوى يديه أمام صدره ونظر بهدوء إلى "النائب الأصفر".
قال "النائب الأصفر" عدة مرات "تفضل أيها الفارس"، لكن "لي يي تيان" لم يتحرك، وظل ينظر إلى "النائب الأصفر". أخيراً لم يستطع "النائب الأصفر" الصبر، فصفع بكفه ببطء دون أي أسلوب، فاضطر "لي يي تيان" إلى رفع كفّيه ليتلقى الضربة، فكان صوت "بانغ" خفيفاً، ورأى الجميع "لي يي تيان" يسقط على ظهره، ويرتطم بالأرض بشدة، فثار غبارٌ كثيف، وظل "لي تيان يي" يتخبط محاولاً النهوض دون جدوى، وبعد فترة طويلة فقط جلس منتصباً، ثم نهض بصعوبة. ورأى الجميع ذراعي "لي تيان يي" تتدليان بلا حياة أمامه، وقد تحطمت يداه من المرفقين تماماً، وخرجت من فمه خيوط دم، وكان يلهث بشدة، ووجهه ازرقّ، يتحمل الألم بصبرٍ دون أن يصدر صوتاً، لكن جسده كان يرتجف قليلاً. ومع ذلك ظل يحدق بهدوء في "النائب الأصفر".
بدا أن "النائب الأصفر" لا يعرف ماذا يفعل، فالتفت إلى "دونغ فانغ جو غي"، فصرخ "دونغ" بصوتٍ عالٍ: "أيها الأخ الأكبر، من يأتي لتحدي البيت، يجب إبطال فنونه القتالية، دعني أفعل ذلك." وبينما كان يتكلم اقترب من "يو تيان"، ومع أصوات "طقطقة" عدة، سحق عظام كتفيه وقطع أوتار يديه ورجليه، فأصبح "لي يي تيان" إنساناً مشلولاً، وسقط على الأرض بقوة، وجسده يرتجف بعنف لا يستطيع السيطرة عليه، لكنه ما زال لا يصدر أي صوت.
نظر "دونغ فانغ جو غي" ببرود إلى "وانغ بيوتو" وزجره بصوتٍ عالٍ: "ألن تأخذه بعيداً؟ ما أفظع هذا المشهد!"
تنهد "وانغ بيوتو" طويلاً، وحمل "لي يي تيان" واستدار نحو الباب الكبير.
"آمين، حسناً، حسناً! سيرافق هذا الراهب العجوز الفارس لي في طريقه." لم ينظر "فو دي" إلى "النائب الأصفر" ومن معه إطلاقاً، بل استدار وتبع "وانغ بيوتو" خارجاً.
صاح الجميع أيضاً: "هيا، سنرافق الفارس لي أيضاً." وفي لحظة، غادر الجميع دون أن يبقى أحد.
ثم جاءت الشائعات في عالم الفنون القتالية.
بعد أيام قليلة، سُمع أن "يو ميان شيا" قد سُحقت عظام كتفيه، وقُطعت أوتار يديه ورجليه، وخُدش وجهه بجروح سيفٍ لا تُحصى، بشكلٍ مخيفٍ للغاية.
بعد فترة، سُمع أن قصر "النائب الأصفر" قد أُحرق بالكامل، ولا يُعرف أين انتقل "النائب الأصفر" ومن معه. وبجانب القصر بُني منزلٌ من الطوب الأزرق والبلاط الأبيض، وعلى بابه الكبير كلمتان بخطٍّ جميل: "منزل وانغ"، وقيل إن أحداً ساعد عائلة وانغ على إعادة البناء في الموقع الأصلي.
وبعد فترة وجيزة، سُمع أن "دونغ فانغ جو غي" قُتل في منزله.
فيما بعد، سُمع أن أحدهم رأى "النائب الأصفر"، وما زالت هيبته موجودة، لكنه شاخ كثيراً، فرجلٌ في الستينات يبدو وكأنه في الثمانينات أو التسعينات. وقيل إنه أينما ذهب لم يكن مرحباً به، فكان الناس يشيرون إليه ويغمزون، وأحياناً يبصقون عليه. ومنذ ذلك الحين، لم يره أحد بعد.
وفي وقت لاحق، سُمع أن الراهب "هوي يي"، التلميذ الجديد لرئيس معبد شاولين فو دي، هو "يو تيان". كان "هوي يي" مخلصاً للبوذية، وقرأ جميع الكتب المقدسة في المعبد، وله هيبةٌ مهيبة، ويبدو للوهلة الأولى راهباً بلغ مرتبة عالية، وكان عندما يخرج لإلقاء الدروس الدينية يستمع إليه الجمهور بكثافة، فتُخلو الشوارع من الناس. وكان "هوي يي" يشرح التعاليم بلغةٍ بسيطة وسهلة الفهم، ويحب استخدام أمثلة من الحياة اليومية لتفسير البوذية، وكان يُلقب بأول رجل في معبد شاولين.
هذه هي قصة النائب.
سلسلة روايات "الجبال والبحيرات"، رواية "النائب"، رقم الإصدار: Build20170215
المؤلف: لو جيان فنغ.
تعليقات الفقرات 0 · قيد المراجعة
التعليقات 0 · قيد المراجعة